بقلم د. محمود خليل
من لم يحكم شعباً عربياً لم يذق معنى أن يكون حاكماً. فالعربى بطبيعته ينظر إلى الحاكم نظرة خاصة جداً، مهما كانت درجة عدله أو ظلمه، وأياً كان الموقع أو المقام الذى يريد من رعيته أن تضعه فيه، حتى ولو كان مقام الألوهية. وقد حدث ذلك فى مصر – كما يحكى القرآن الكريم – فى سابقة أولى وأخيرة فى التاريخ. ففى كل بلاد الدنيا يمكن أن يظهر مدَّعو نبوة، لكن لم يحدث أن خرج حاكم على شعبه، وأعلن نفسه إلهاً للعباد من دون الله إلا فى بر المحروسة!.
وظهر نموذج مقارب لذلك – كما يحكى القرآن أيضاً – فى قصة «النمرود» الذى حاجَّ إبراهيم عليه السلام فى ربه، ولكن الفارق بين «فرعون» مصر و«نمرود» العراق أن الأخير بُهت عندما دمغه إبراهيم بالحجة، «قال إبراهيم فإن الله يأتى بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبُهت الذى كفر».
وعندما أضاء الإسلام جنبــات الأمة العربية، كــان أول درس تعلمته الجماعة المسلمة – كما كان يقول الصحابى ربعى بن عامر رضى الله عنه - أنها تحولت إلى دين يخرج الناس «من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد». ومثل هذا الأمر تحولاً جذرياً فى الثقافة السياسية للأمة العربية، وبدأت الأمور فى العودة إلى نصابها ليصبح الحاكم مجرد فرد ليس له أى أفضلية على باقى أفراد الرعية «إنى وليت عليكم ولست بخيركم».
فالحكم هنا أصبح مجرد وظيفة قيادية تتم بناء على اختيار الناس، حتى ولو اختلفت أهواؤهم. حدث ذلك فى عهدى الخليفتين أبى بكر وعمر، رضى الله عنهما، وبدأ الأمر يختلف خلال فترة حكم عثمان، رضى الله عنه، الذى ردد فى وجه معارضيه الذين طالبوه بالتنازل عن الحكم عبارة «لا أخلع قميصاً أكسانيه الله»، ليؤكد أن وجوده كخليف



























